غزة.. واليوم التالي


الكاتب: شهاب شهاب

منذ اعلان التوصل لوقف اطلاق النار في غزة، والسؤال الأكثر تداولا هو كيفية استكمال بنود خطة ترامب التي مهدت لوقف الحرب، لما تحمله من تساؤلات وقضايا خلافية تحتاج لكثير من الاجوبة والتفسيرات.

وعلى ضوء ما صدر من تصريحات عن رئيس ووزراء حكومة الاحتلال من تهديدات وتلميحات بالعودة للقتال، وما صدر عن حماس في البيان الثلاثي لحماس والجهاد والشعبية، من تأكيد ان ما تم الاتفاق عليه هو المرحلة الاولى المتعلقة ببند تبادل الاسرى فقط، سنحاول ان نضع السيناريوهات التي من الممكن ان يفضي اليها هذا الاتفاق، وما سيترتب على هذه السيناريوهات من مكاسب ومخاطر قد تلحق بالشعب الفلسطيني وقضيته.


اولا: ان يكون كل ما حدث هو عبارة عن خطة  اسرائيلية امريكية تم العمل عليها منذ ان انهارت اخر جولة مفاوضات في الدوحة، واعلنت اسرائيل والولايات المتحدة عن سحب وفودها، والذي نتج عنه قرار امريكي باخراج اهالي غزة من معادلة الحرب، وحصر التعامل مع حماس على انها مجرد جماعة اختطفت عدد من الرهائن، وحشدوا لهذه الخطة كل طاقاتهم ونفوذهم على قطر وتركيا للضغط على حماس لتقبل بهذه الخطة، وربما الضربة على قطر كانت رسالة اشعار ثقيلة بضرورة الالتزام بهذه التعليمات، وما ان يتم الافراج عن الاسرى الاسرائيليين، سيتم الانقلاب على الاتفاق واستكمال تدمير ما تبقى من غزة وقدرات حماس العسكرية.

هذا السيناريو، ليس مستعبد واخلاق الولايات المتحدة ليست عائق اذا ما كان الاتفاق مع حركة تصنفها على قوائم الارهاب، وترامب بالتحديد، لا يؤتمن له جانب طالما ان الأمر متعلق باسرائيل وصورتها.


ثانيا: ان تكون الخطة حقيقية، وتلتزم حماس بتطبيق الاتفاق كما هو، وتجعل من لقائها مع الفصائل الفلسطينية الأخرى المزمع عقده قريبا في مصر، جسرا لتخطي عقبة نزع السلاح، تعلن من خلاله التزامها بخيار الاجماع الوطني على "حصر" السلاح بيد السلطة واجهزتها فقط، واعلان موافقتها التنازل عن حكم غزة لصالح لجنة فلسطينية من التكنوقراط تخضع للاشراف الدولي، وتخرج من المشهد بهدوء، بالمقابل، تلتزم الولايات المتحدة باجبار اسرائيل على الانسحاب من غزة، ودعم الجهود الدولية للايواء والاعمار.

وهذا السيناريو، على الرغم من كل ما فيه من مخاطر وتنازلات، وفتح المجال لفرض الوصاية على القرار الفلسطيني، الا انه المفضل لدى العرب والمجتمع الدولي لانهاء الحرب، والأسرع في استكمال انسحاب الجيش الاسرائيلي من غزة، والبدأ بعمليات الايواء والاعمار، وبالتالي التقليل من خطر التهجير.


ثالثا: ان تتوافق حماس والفصائل على موقف موحد في مصر، يتم بموجبه اعلان حكومة توافق وطني من الكفاءات، ملتزمة بقرارات الشرعية الدولية والتزامات منظمة التحرير، ينبثق عنها لجنة وطنية لإدارة غزة، تنهي حكم حماس فيها، وتشرف على جمع السلاح وحصره بيد اجهزة هذه الحكومة، ولكنها غير خاضعة للاشراف الدولي.

ومع ان هذا السيناريو هو حلم كل فلسطيني، كونه ينهي الانقسام، ويفيد حل الدولتين ويقوي موقف السلطة الفلسطينية دوليا، ويتوافق مع ٩٠٪؜ من بنود خطة ترامب، باستثناء الاشراف الدولي، الا انه يعد متأخرا، وبحاجة لقبول ودعم عربي ودولي غير مضمون، متبوع بجهد كبير لاقناع الولايات المتحدة بهذا الطرح قبل اسرائيل، وستخاطر السلطة الفلسطينية بمستقبلها وزيادة عزلتها اذا تبنته واصرّت عليه، بالاضافة الى انه من الخيارات التي تفضلها اسرائيل، ليكون الذريعة التي تعفيها من الالتزام ببرنامج الانسحاب من غزة، وعرقلة اعادة الاعمار التي ستخلق بيئة طاردة وتشجيعية للتهجير. 


رابعا: ان تكون حماس هي من بيتت نية عدم المضي قدما بهذا الاتفاق، وقررت تسليم الرهائن مقابل الحفاظ على ما تبقى من مساحة غزة داخل الخط الاصفر، تساوم بها العرب والسلطة لضمان مستقبلها السياسي، في محاولة لاستنساخ تجربة حزب الله السيئة في لبنان، رافعة ذات الشعارات القديمة المتعلقة بالمقاومة والصمود والتحرير، مما يعيدنا الى المربع الأول بعد كل ما حصل بغزة.

وهذا السيناريو، يوجد مؤشرات تدل على احتمالية المضي به، بالرجوع الى بيان حماس الثلاثي مع الجهاد والشعبية الذي صدر مساء امس، ولن تواجه مشكلة كبيرة به مع اسرائيل، كون ان هذا الخيار يكرس معادلة الانقسام المفضلة لاسرائيل كما كانت، ولكن على مساحة اقل ب٥٠٪؜ عن السابق، بقدر ما ستواجه من تعقيدات واصطدام مع اهالي غزة، وربما يؤدي هذا المسار لتوفير الذريعة لتطبيق البند السابع عشر من اتفاقية ترامب، القاضي بأن الاتفاق سيطبق على المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال، اذا رفضت حماس تسليم سلاحها، مما سيؤدي الى تقسيم المقسم وخلق كيان فلسطيني جديد بهذه المناطق. 

 

 خامسا: ان تذهب الفصائل لاجتماع القاهرة، بنفس عقلية المكابرة والتنكر لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، وتخرج من الاجتماع بدون اي نتائج وطنية جامعة، وكل طرف يتمسك بمواقفه السابقة، مما يوصلنا بالنهاية الى الفشل المعتاد، لتذهب حماس باتجاه تشكيل لجنة ادارية من التكنوقراط مقبولة دوليا، بتواطؤ عربي ودولي، يؤمّن لها انسحاب اسرائيلي من غزة، مقابل موافقتها على صيغة لنزع سلاحها والالتزام بأمن اسرائيل، ليستمر حكمها لغزة بشراكة شكلية مع  الفصائل المذكورة، وتضيع اخر واهم فرصة لتوحيد القرار والنظام السياسي الفلسطيني.

وهذا السيناريو وان كان متطرفا بسوء النوايا وانعدام المسؤولية الوطنية، الا انه ليس ببعيد، ولن تجد الدول العربية الحرج في الذهاب معه تحقيقا لمصلحتها بانتهاء الحرب، واعتبار ان الانقسام هو شأن فلسطيني داخلي، والأخطر ان اسرائيل لن تعارضه، كونه يكرس الانقسام، ويحقق اهداف الحرب المعلنة بنزع السلاح واستبدال الحكم ولو شكليا.


السيناريو الثاني، ان اتبعناه بجهود دبلوماسية مع العرب واوروبا، تضمن اضافات تتعلق بحماية الضفة من الضم، وتحديد سقف زمني لتطبيق حل الدولتين، يبقى الأضمن لمنع عودة الحرب والابادة، والاكثر واقعية باتجاه ابعاد خطر تهجير شعبنا وتثبيته على ارضه، وفرصة حقيقية لتوحيد النظام السياسي الفلسطيني وتجديد مؤسساته وشرعيته برعاية دولية، والاكثر قابلية للتطبيق.


هذه السيناريوهات مجرد توقعات، وقد تحمل الايام القادمة غيرها، اخطر او افضل، الا انها تبقى سيناريوهات واجب الاستعداد لها، وتفادي ما يضعف الموقف الفلسطيني ويزيد من معاناة شعبنا منها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار… والعودة إلى جدلية سحب الذرائع

الاشراف الدولي.. طروادة اختراق النظام السياسي الفلسطيني

الصفقة الشاملة .. فرصة ام استسلام؟