المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار… والعودة إلى جدلية سحب الذرائع
مرةً أخرى، نعود إلى جدلية سحب الذرائع التي لازمتنا طوال فترة الحرب على غزة. حينها قلنا إن الأسرى الإسرائيليين كانوا الذريعة الكبرى للإبادة، وناشدنا بوقف المظاهر المسلحة في المناطق المدنية تفاديًا لاستهدافها. واليوم نعود إلى الدوامة ذاتها، ولكن هذه المرة في سياق النقاش حول شروط الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
تتمثل هذه الشروط بوضوح في معادلة قاسية:
سحب السلاح وإنهاء سيطرة حماس في غزة مقابل إعادة الإعمار، دخول قوات دولية بالتوافق مع مصر وإسرائيل، على أن يقابل ذلك انسحاب الجيش الإسرائيلي.
نظريا، يمكننا رفع الشعارات حول الحق في المقاومة، والقرار الوطني المستقل، واعتبار السلاح شأنًا فلسطينيًا داخليًا إلى ما لا نهاية. لكننا سنعود حتمًا إلى السؤال الكبير الذي أقلقنا دائمًا:
هل نمتلك الأدوات، والتحالفات، وموازين القوى التي تؤهلنا لتحويل هذه الشعارات إلى واقع فعلي؟
المؤشرات حتى الآن تدل على وجود تحايل مدروس على اتفاق وقف إطلاق النار، بما يتناسب مع أهواء كل طرف، دون الوصول إلى حد انهياره. فتبدو فكرة ترك حماس تتحمل مسؤولية المناطق التي تسيطر عليها، المدعومة من قطر وتركيا، لاقت اذانا صاغية لدى الإدارة الأمريكية، ولكن بالمقابل، ستنفذ إسرائيل والولايات المتحدة مشاريعهما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ابتداءً من مطلع العام القادم.
الخطط البديلة الإسرائيلية–الأمريكية جاهزة ومعلنة:
مجلس تنفيذي تابع لما يُسمى “مجلس السلام”، يشرف ويتحكم بتمويل إعادة الإعمار وانتشار القوات الدولية. وستقوم إسرائيل برفع الركام ونهب عوائده، بينما تبدأ الولايات المتحدة، ومعها بعض الحلفاء، مشاريع إعادة إعمار مستقلة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
في ظل هذا المشهد المعقّد، لا يبدو أن الرهان على الوقت أو على تغيّر مواقف الأطراف الدولية خيارًا آمنًا. فحتى لو تفاءلنا بعودة السلطة الفلسطينية إلى مناطق شرق الخط الأصفر، فإن هذا السيناريو ليس حتميًا، ولا يمتلك سقفًا زمنيًا واضحًا. فمصلحة إسرائيل تتقاطع مع تعميق الانقسامات الجغرافية وتعدد عناوين القرار الفلسطيني، ولن تعجز عن إيجاد قيادة محلية جديدة تُدمج لاحقًا في المعادلة الفلسطينية. وبالتالي، لا بديل عن توافق وطني واضح وصريح، يبدأ بتغييرات عميقة في الخطاب والممارسة السياسية الفلسطينية، بما في ذلك موقف حركة حماس من النظام السياسي الفلسطيني، وعلاقتها بمنظمة التحرير، ومرجعيات القرار الوطني، وعلى رأسها قرارات الشرعية الدولية.
أمّا الارتكان إلى الادعاء المتداول بوجود جدل عربي ودولي مع الولايات المتحدة، حول المشاركة في إعادة إعمار ما دمّره الاحتلال، دون القدرة — أو ربما دون الإرادة — على توفير بدائل حقيقية، فيفتح الباب واسعًا أمام تنفيذ المخططات الأخرى.
فمن يرفض تقسيم غزة إلى قسمين:
قسم تسيطر عليه إسرائيل، تتحكم فيه بمصير جميع السكان، شرق وغرب الخط الأصفر، وبمعبر رفح ودخول المساعدات،
وقسم آخر متبقٍ بيد حماس، يقطنه قرابة مليوني إنسان يفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة، ولا توجد أي ملامح لشكل ومستقبل واقعهم، عليه أن يمتلك ما يكفي من الشجاعة والمسؤولية الوطنية، لسحب الذرائع التي تحول دون تنفيذ هذا السيناريو، وطرح البدائل الواقعية، والمدعومة من الدول المؤثرة، حتى لو كانت على حساب المصلحة الحزبية والمستقبل السياسي.
السؤال الأخطر هنا:
إذا كان الرهان على رفض الناس التوجه إلى المناطق الشرقية، لأنها خاضعة لسيطرة إسرائيل وميليشيات فلسطينية متعاونة معها، أو على فشل الولايات المتحدة في تجنيد التمويل اللازم لإعمارها، فلمن ستُترك هذه المناطق؟
هل ستتحول إلى مستوطنات؟
أم إلى مشاريع استثمارية أمريكية–إسرائيلية؟
وما البديل المتاح للناس بدلًا من الخيام وجحيم القصف والتهديدات الإسرائيلية المتكررة في مناطق غزة الغربية؟
هل الهجرة هي الخيار الوحيد؟
هذا هو الواقع: مشاريع تُطرح وفق مصالح كل طرف. وإذا لم تُقابل المشاريع الإسرائيلية بمشاريع فلسطينية واقعية، فإن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وحتمًا ستجد مخططات إسرائيل طريقها إلى التطبيق.

تعليقات
إرسال تعليق