الاشراف الدولي.. طروادة اختراق النظام السياسي الفلسطيني
تدور في كواليس السياسة والتنسيق بين الدول والوسطاء الكثير من تفاصيل وتداولات اليوم التالي لغزة اولا، وللقضية الفلسطينية برمتها ثانيا، وسعي واضح لأن يطال التغيير جميع مكونات الحالة السياسية الفلسطينية، وجزء من هذا التغيير يبدو بموافقة عربية قبل ان تكون دولية، ونركز على انه مطلب عربي، لأن المرحلة القادمة، تعتمد بشكل كبير على الدعم العربي السياسي والاقتصادي وجهود اعادة الاعمار.
ولكن لحدة الانعطافة التي حصلت بعد ٧ اكتوبر، ولشدة التعقيدات التي افرزتها هذه الحرب، يحاول قادة هذ التغيير ان يكون ناعما، متدرجا، يؤدي لتمريره بهدوء، دون ان يصنع صدمة تؤدي لرفضه من الفلسطينيين.
ولا يخفى على كل متابع، الشعور بوجود خطة او مشروع يتم تجهيز المنطقة والفلسطينيين لقبوله، ويظهر ذلك من خلال التلميحات والاشتراطات التي يضعها الغرب على شكل النظام السياسي المقبول بالمرحلة القادمة، والذي هو اشبه بنظام اداري اقتصادي غير متصل بالشكل التقليدي للنظام السياسي الفلسطيني المنبثق عن الفصائل ومنظمة التحرير، يرتكز على الانتعاش الاقتصادي وتحسين الاوضاع المعيشية والانسانية، دون التركيز على الحقوق السياسية والتاريخية للشعب الفلسطيني.
وتبرز ملامح هذا السعي، من خلال عدة مؤشرات، على رأسها، عودة جاريد كوشنير الى الواجهة من جديد، وهو الشخصية الرئيسية في مقترح صفقة القرن القائمة بكل تفاصيلها على طرح مشابه لما ذكرناه آنفا، واستثناء الضفة الغربية من اي بند من بنود اتفاق ترامب، يدعو بشكل صريح الى منع ضم اراضيها لاسرائيل وايقاف الاستيطان، وعدم ذكر حل الدولتين ولا بأي شكل من الاشكال، وتعمد استثناء التمثيل والحضور السياسي لفلسطين، في كل مراحل الاعداد والتوقيع على بنود الاتفاق.
وصاية مغلفة بالاغاثة:
المشكلة ليست في ان الولايات المتحدة تريد تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين واعادة اعمار غزة، ولا المطالبة "باصلاح" السلطة، فهذا لا مجال لنقاش اهميته وضرورته، ولكن الخطورة تكمن في ان مقدمات كل هذا السعي، تأتي بنوع من التجاوز للنظام السياسي الفلسطيني، ووضع الشروط المسبقة على خطابه وهيكله وامتداده الوطني، وتكريسها لحالة الفصل بين الضفة وغزة، وكأن المراد من كل العملية، هو ارضاء اسرائيل وتفصيل لها جار على مقاسها وحسب شروطها.
ونستدل على ذلك، من طبيعة الحلول الجانبية والادارية التي تطرحها الولايات المتحدة والغرب لحل الصراع، دون الغوص في جذور واصل المشكلة الحقيقية، المتمثلة باستمرار الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. فملامح المرحلة القادمة، توحي بأن الحكم في غزة والضفة منفصل، ويركز على الوضع الاقتصادي والانساني للفلسطينيين، دون اي افق او سقف زمني لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وهذا ما هو مطروح اسرائيليا ليكون بديلا عن حل الدولتين، والمعروف بالسلام الاقتصادي.
فاستغلت الادارة الأمريكية واسرائيل، تداعيات الحرب الأخيرة، وحجم الدمار، والتراجع بقدرة الفلسطينيين على حماية انجازاتهم، لاعادة طرح هذه الافكار، مغلفة بحملات الاغاثة واعادة الاعمار والانعاش الاقتصادي، وضمان عدم العودة للحرب، لتبتز فيها الفلسطينيين وفرض الوصاية على قرارهم وتمثيلهم، بمباركة ودعم دولي وعربي واسلامي.
فلا تفسير لربط عمليات الانسحاب من غزة واعادة الاعمار ومنع السلطة من الانهيار، بتنفيذ مطالب اسرائيلية تتعلق بانهاء حكم حماس لغزة، وقائمة اصلاحات فضفاضة وغير مقترنة بمعايير او زمن محدد للسلطة الفلسطينية، الا انها ذرائع لتغيير هذه الحكومات، وفرض الوصاية على بديلها، بالمقابل، فان الرفض او التعنت الفلسطيني، يعني ابقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، اي بقاء غزة محتلة ومدمرة، وبقاء السلطة ضعيفة ومهددة وغير مسيطرة.
وتتضاعف خطورة هذه المساعي، بعد تراجع الحديث عن أي حل شامل لهذا الاحتلال، وعدم طرح مسار حقيقي يضمن قيام دولة فلسطينية، في حال قام الفلسطينيون بتنفيذ كل هذه الشروط والاصلاحات. ولذلك، يُنظر الى هذا الطرح انه ربما مناورة جديدة في سبيل تهدئة الاوضاع، تكسب بها اسرائيل مزيدا من الوقت لفرض الوقائع على الارض، مع قليل من الانتعاش الاقتصادي للفلسطينيين، لنصل بعد فترة الى وضع يصعب به تطبيق حل الدولتين الذي بات مهددا بشكل حقيقي.
المرحلة الحالية مرحلة شديدة الخطورة، ولا يمكن تخطيها الا بنظام سياسي فلسطيني قويّ وموحّد، يملك القدرة على تمثيل واتخاذ القرارات باسم الشعب الفلسطيني، دون ان تأتيه سهام التشكيك بشرعيته وتمثيله، من داخله، يعبر المرحلة القادمة بكثير من الجرأة، والحكمة، يوازن بها بين اغاثة شعبنا وتضميد جراحه، وبين استعادة تمثيل وقرار الشعب الفلسطيني والحفاظ على انجازاته وحقوقه التاريخية.
وذلك يكون فقط، بتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، والاقرار الجماعي بشرعية والتزامات منظمة التحرير وتمثيلها للفلسطينيين، وتوحيد الخطاب وتجديده باتجاه العمق العربي بما يقوي الموقف الفلسطيني ويسانده لمنع هذه المخططات الرامية لتصفية حقوقه السياسية والوطنية، واختيار الصيغ التوافقية بتشكيل الحكومات من الكفاءات الوطنية والسياسية القادرة على ادارة المرحلة.

تعليقات
إرسال تعليق