التفاوض.. غطاء الاحتلال ومصدر للتوسع

 


تصدرت عناوين الاخبار مؤخرا تسريبات عن نوايا توسيع المناورة البرية المستمرة في غزة، لتشمل مناطق جديدة، بهدف "إعادة المخطوفين" وزيادة الضغط على حماس كما جرت العادة ان تعلن حكومة الاحتلال.
بالأسابيع الماضية، صادق المجلس الوزاري المصغر للاحتلال على الخطط العملياتية لهذه المناورة، وصدّر للإعلام صورة مفادها، أن الخيار المفضل لدى المجلس هو إعطاء فرصة للوسطاء، أي انه بالنسبة للاحتلال فهو مستعد عسكريا، ونتنياهو وحكومته وجيشه على قلب رجل واحد.
ولكن العبث وقلة الحيلة، ان هذه الفرص وجلسات التفاوض، تدار من دون وقف للقتل او استمرار القضم وفرض الوقائع على الأرض، وطريقة إدارة هذه المفاوضات اثبت فشلها منذ المحاولات الأولى للتهدئة، فالأساس الذي تتبعه إسرائيل لم يجابه بمبادرات وتغييرات على جوهر التفاوض من طرف حماس، بل ابقى كل أوراق الضغط بيديها، وحاصر الوسطاء وحماس بمطالب وسقف تفاوض مرتفع جدا، متسلح بفارق قوة هائل وافتقار غزة لكل اشكال الحياة من غذاء ودواء وكهرباء وماء ومعابر، بالمقابل حماس لا تمتلك الا الانتظار وجوع الناس لتراهن عليه.
المفاوضات التي سبقت التهدئة الأخيرة، ثبت انها كانت تهدف للتغطية على جرائم الإبادة والتدمير الممنهج لغزة، وهذا باعتراف قادة وفد تفاوض الاحتلال، ويبدو ان الجولات الجديدة، خاصة تلك التي تأتي من قطر، هي للتغطية على مشروع التهجير الطوعي المتستر بمسميات كثيرة، والسيطرة على اكبر مساحة ممكنة من غزة فارغة من السكان.
نعود لسياسة فرض الوقائع الميدانية والتفاوض على ما كنا نملكه، هذه القاعدة الأساسية لأي عملية تفاوض مع إسرائيل، تحتل وتدمر يوميا أجزاء جديدة، من دون اطلاق رصاصة، بحجة الضغط على حماس بالمفاوضات، وهذه الأجزاء المحتلة حديثا تصبح هي محور نقاش جلسة التفاوض القادمة.
على سبيل المثال، تم عزل مدينة رفح بشكل كامل والسيطرة على كل أراضيها بعد طرد سكانها منها، وانشاء ما اصبح يعرف بمحور موراج لاحقا، وهذه السيطرة لم تكن قبل التهدئة الأخيرة، وانما تمت خلال عملية التفاوض المزعومة، وتمت بكل بطؤ بعيدا عن الاعلام.
مع الإعلان الجديد لتوسيع العمليات البرية، ربما سيتم السيطرة على أجزاء من خانيونس وبيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، بنفس الطريقة البطيئة التي مارسها الجيش في رفح، وبإعلان جديد ان ذلك بهدف إعادة المخطوفين والضغط على حماس، ثم يقدم لحماس عرض جديد لتسليم المختطفين، لا يشمل رفح والاجزاء الجديدة، لترفضه حماس، ليعيد الكرة مرة أخرى على أراضي جديدة، وهكذا.
إسرائيل تبيع وهم مركب، نصفه لحماس ان بالإمكان الوصول معها لحل يعيد الأوضاع لما قبل ٧ أكتوبر، وهذا مستحيل، لأن هذا الأمر، ولو انه محبب لنتنياهو، الا انه من الصعب تسويقه للجمهور الإسرائيلي، ومرفوض من أمريكا والدول العربية التي ضاقت ذرعا من كثرة الحروب والأزمات بالمنطقة، ونصف الوهم الآخر، تبيعه إسرائيل للعالم بأنها تفاوض وتقاتل حماس لإعادة امنها ومختطفيها، مع العلم انها لا تقاتل احد، وتتذرع بالمختطفين.
المراهنة على ملل إسرائيل من القتل وجوع الناس وزيارة ترامب او أي سيناريو يغير خطط إسرائيل هو رهان فاشل وساذج، الحروب والمفاوضات تدار بما تملكه من أوراق قوة وما تفرضه على الأرض من وقائع، والعبث الحاصل منذ عام ونصف في غزة، لن ينتهي الا بتحويل كامل غزة الى منطقة إنسانية كما هو حال رفح اليوم، وما ترفضه حماس اليوم ستعود لتطالب به غدا، وان استمر قادتها بالجري وراء سراب العفو والرضا الأمريكي واوهام عودة الحكم، فلن تجني الا مزيدا من الخسارة والموت والجوع.
الخارطة السياسية الجديدة للمنطقة حسمت، والمعادلة توازنت بطرح نظام الميليشيات منه، وانتهى عهد سيطرة الأحزاب المسلحة على أي ارض الى غير رجعة، وكل ما تراهن حماس عليه ذاهب ادراج الرياح لا محال، ولكن، امام حماس اختبار شرف انقاذ الناس وحفظ ما تبقى من كرامة لهم، فلم يبقى أي معنى لأي شعار والناس تنادي بالشوارع "بدنا نوكل" ، هذا الألم والتشرّد والمعاناة اليومية من الفوضى والسطو وقلة الغذاء والدواء، مصير حماس امامه محسوم، ولن تنفعهم كل منصات وعروض الدنيا لمحوه او تغيير نتيجته.
على حماس العودة الى المبادرة المصرية، والتسلح بالغطاء العربي الفلسطيني والدولي المحيط بها، فهي اقرب حل واقعي يمكن الأخذ به ان كان للناس قيمة لدى أي مفاوض، والمنطق ان يتم تحصينها ودعمها بالقبول والولاية على مصير المختطفين، ليكون ذلك مدخلا لفرضها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار… والعودة إلى جدلية سحب الذرائع

الاشراف الدولي.. طروادة اختراق النظام السياسي الفلسطيني

الصفقة الشاملة .. فرصة ام استسلام؟