المحتوى الرقمي.. من تجنيد المؤثرين إلى إغراق الجمهور (2)
الخوارزمية والتريند:
كثيرا ما نسمع عن الخوارزميات في العالم الرقمي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بحظر محتوى او انتشاره بكثافة، وبهذا المقال سنتوسع بتعريفها والية عملها في مواقع التواصل، وكيف يتم استغلالها من قبل غرف عمليات الاعلام لتضليل الجمهور.
الخوارزمية هي مجموعة الطلاسم والرسوم التي كتبها مبرمجو موقع التواصل الاجتماعي الذي تستخدمه، وفي الحقيقة هي عبارة عن "كود" برمجي، ومن كتبه ليس مشعوذ ولا دجال، وإنما مبرمج ذكي، كان ينوي الفائدة والتسهيل على الناس، وتصنيف من يتوافقون بالأفكار بفئة مستقلة، ومن يكتبون عن ذات المحتوى بتصنيف مستقل آخر، لتسهيل التقاء الجمهور ببعضه، خاصة المتوافقين والباحثين عن من يشبهونهم.
فقد بدأ الأمر من "الهاشتاغ" وهو إشارة السلم الموجودة بكل لوحة مفاتيح يتلوها كلمة تضيء باللون الأزرق إذا جعلتها ملتصقة بالسلم، وهذا كان الجيل الأول من الخوارزميات التي تجمع المغردين مع بعضهم، فما أن تكتب منشورا وتضع فيه الهاشتاغ المعتمد، إلا وقد ظهر مع مجموعة المغردين على نفس الهاشتاغ، (المغردين هنا من تغريدة، وهي تعبير عن كلمة منشور وقد تجد من يستخدم كلمة "تويتة" ، تعريب ونسبة لموقع التواصل الاجتماعي المعروف تويتر، واصبح لاحقا X).
فيصبح هذا الهاشتاغ كما لو انه رابط لموقع الكتروني، يجمع فيه كل منشورات المغردين على هذا الهاشتاغ، وبإمكان أي مستخدم أن يضغط على الهاشتاغ ويقرأ كل المنشورات عليه.
تطوّر الأمر لاحقا، وأضافت الشركات عداد لكل هاشتاغ، وعند حصول هذا الهاشتاغ على عدد كبير من التغريدات والتفاعلات، أصبح يطلق عليه اسم "تريند".
ولأن هذا التريند هو انعكاس لحديث الجمهور حول قضية معينة بشكل واسع، وتصبح له الأولوية بالظهور على واجهة الحسابات، سيكون أيضا مصدرا لترزق اللايكات ورفع عداد المتابعين بالنسبة للمؤثرين، فتجدهم يشاركون بكل تريند بالتعليق على الحدث بمنشور او فيديو وطرح وجهة نظرهم، لان التفاعل مع الترند يزيد من فرص وصولهم لجمهور جديد لم يكن يتابعهم، وكلما كان عدد المتابعين عندهم أكثر، وصفحاتهم ومحتواهم أنشط، كانت أولوية ظهور منشورهم للجمهور أقوى.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى ميدان التكنولوجيا، استخدمته الشركات لتصنيف وتحليل المحتوى تلقائيا، فأصبحت جميع المنشورات التي تتكلم بموضوع معين، وتستخدم - بشكل كبير- الكلمات نفسها، وفي المنطقة الجغرافية نفسها، تظهر وتصنف مع بعضها تلقائيا، دون الحاجة لوضع إشارة سلم قبل الكلمات، بل وتصنف المستخدم نفسه بأنه متفاعل مع هذا النوع من المنشورات، وتبدأ بتصدير كل المنشورات الشبيهة لهذا المحتوى لواجهة حسابه، ليستمر بالتفاعل معها، وهكذا.
ما سبق كان التعريف النظري والمقصود من هذه البرمجيات، ولكن الواقع كشف أن هذه البرمجيات يتم التلاعب بها وتطويعها واستغلالها من قبل جماعات وأجهزة إعلام تسعى للترويج لأجنداتها، واستخدمت طرق وأساليب متعددة للتحايل واستغلال الخوارزميات، ولكن الغاية والهدف واحد، وهو التأثير على عقل الجمهور وتشتيته بروايات مضللة.
فعندما تقوم غرفة عمليات الإعلام للمشغّل بتعميم رواية حول محتوى معين على كل اذرعها الإعلامية، وتبدأ هذه الأذرع بنشر هذا المحتوى وطرحه بالشكل والأفكار التي يريدها المشغل، هنا يكون استغلال الخوارميات، لان الخوارزمية التي رصدت هذا المحتوى تلقائيا ستبدأ بتصنيفه مع ما يشبهه من محتوى، وتبدأ المنشورات بالظهور أمام الجمهور من كل الفئات، وهنا ننتقل إلى عملية التأثير على العقول وتشويشها، لأن الرواية المطروحة قد تكون عن نفس الموضوع ولكنها تحرّفه تماما، وهذا يعود لقدرة غرف عمليات الإعلام على التحضير والاستعداد المسبق لطرح روايتها وتعزيز مصداقيتها.
فعلى سبيل المثال، عندما حصل تفجير مستشفى المعمداني في غزة بداية الحرب، ونظرا لحجم الضحايا المهول، وما تبعه من غضب عالمي كبير، سارع حساب الناطق باسم جيش الاحتلال للتصريح بأن الانفجار حصل نتيجة إطلاق خاطئ لأحد الصواريخ من غزة، وبدأت ماكينته الإعلامية وحسابات صحفييه ومشاهيره وساسته بالنشر على هذا الأساس، واتبعه بفيديو من زاوية بعيدة، يزعم به إثبات عملية الإطلاق الفاشلة لزيادة مصداقية روايته.
ومع أن النشر المضاد من الجانب الفلسطيني كان كثيف ووثق حجم الدمار وأعداد الضحايا الذي ينفي بشكل كبير أن يكون نتيجة صواريخ فلسطينية محدودة التأثير، إلا أن رواية الاحتلال والفيديو المزعوم ظهرت على واجهة كل حساب تفاعل مع "تريند" مجزرة مستشفى المعمداني. وبالتالي، التشويش على الجمهور العالمي كان قد حصل، وكل مستخدم قرأ رواية الفلسطيني والإسرائيلي، تولد بداخله ذلك الشعور المتشكك بمصداقية كل رواية.
اذن، المحتوى الرقمي ومواقع التواصل لم تعد تطبيقات لتضييع الوقت والتسلية، أصبحت أدوات خطيرة وفعالة، وتخصص لها غرف عمليات وفرق إعلامية يجب أن تكون مستعدة لتصدير الروايات، لان التريند يظهر جميع الروايات ولا يفرق بين الحقيقة والكذب، والجمهور سيميل لمن اجتهد أكثر بالتحضير وإبراز أدوات الإقناع.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق