المحتوى الرقمي.. من تجنيد المؤثرين إلى إغراق الجمهور (1)
لا تزال النظرة العامة إلى مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي وكل ما يتبعه من إعلام حديث، على انه من وسائل تسلية الأجيال الجديدة، وأدوات للشباب والمراهقين، ولكن الحقيقة اكبر من ذلك بكثير، فقد أثبتت مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الفيديو، وكل هذه الأدوات المنتشرة على شبكة الانترنت، أنها مراكز تأثير وجماعات ضغط وقوى ناعمة، يمكن أن تؤثر بنتائج الانتخابات وأسعار البورصة، وجماهيرية الساسة والمشاهير، وقد تطيح بنظام حكم كما حصل في بعض دول الشرق الأوسط. ولذلك أدركت الكثير من الدول والجهات السياسية أهمية هذه الأدوات وخطورتها، وخاصة الدول المنتجة لهذه التكنولوجيا، فزادت من الاستثمار بها، وروجت لتعميمها ونشرها على أنها من وسائل حرية التعبير والخصوصية وكل هذه الشعارات التي يطرب العقل الحديث لها.
وكما بدأت شبكة الانترنت بنوايا حسنة وأهداف علمية طيبة، ثم تحولت لأداة تنشر وتساهم بكل أنواع الجريمة، كانت أيضا مواقع التواصل والإعلام الالكتروني أدوات مفيدة وسهلت الوصول للخبر والمعلومة للجمهور، وانعكس ذلك على العالم بكثير من الجوانب الإيجابية، فأصبحت الشعوب أكثر وعيا بقضاياها، وأكثر تضامن مع بعضها في حالات الحروب والكوارث.
ولكن، لأن شرور السياسة دائما ما تفسد الأشياء الجميلة، فقد كانت عقول جهابذة الإعلام السياسي ومراكز تحليل للعالم الرقمي ومواقع التواصل بالمرصاد، فلم تترك لمستخدميها شاردة ولا واردة إلا وتم استغلالها لصالح الترويج لسياساتهم أو محاربة خصومهم. ولكن الفارق هذه المرة، أن الجيوش المتحاربة افتراضيا كلها من الجمهور الطيب البسيط، الذي كان سابقا يتابع هذه الحروب على برنامج إذاعي أو تلفزيوني، ربما يقرأ ويحلل عن دهاليز السياسة في الجريدة، ولكن بمجرد أن ينتهي من القراءة أو المشاهدة، ينتهي تفاعله ودوره.
أما الآن، فتحول هذا المتابع البسيط إلى جندي بمعركة كبيرة تخوضها أطراف كثيرة، وكل الأهداف أمامك متاحة، شارك اكتب اشتم واتهم من تشاء، والغلبة لمن يستطيع ترويض وتجييش عقول هذه الجماهير المغيبة والمتعطشة للتعبير.
الجماهير بشكل عام جمعتهم قضايا مشتركة، جمعهم تعطشهم لممارسة حرية الرأي والحاجة للشعور بأن لصوته ورأيه قيمة ومعنى، تعطشهم للمشاركة بمناقشة قضايا بلدانهم، فما أن يجدوا صفحة لشخص لجيه محتوى يعبر عما يدور في عقولهم، ويمثل وجهات نظرهم، تجدهم يتهافتون على منشوراته ومتابعة حسابه وقنواته كما وكأنه الناطق باسمهم. بالمقابل، يسيل لعاب هذا الشخص بما تحصّل عليه من أعداد متابعين ومشاركين لمحتواه، فتجده يكثّف من نشره بهذا النوع من المحتوى طالما انه يزيد المتابعين والتفاعل، ويكتب ويرصد ويصوّر وينتقد ويشتم ويستهزئ من دون سيطرة على نفسه ولا على حسابه، فالشهرة بين الناس مكانة تغرّ، فما بالك عندما أصبح هذا النشر اليومي مصدرا للرزق وكسب المال؟
توق الناس للحرية وإعلاء الصوت هو ما دفعهم لتصديق ومتابعة هؤلاء المعبرين عنهم "والمؤثرين" فيهم، وعندما رصدت معاهد ومراكز أبحاث الإعلام والاجتماع هذا السلوك، تنبهت لأهمية هذا السحر الرقمي الحديث، فالمحتوى الذي كنت بحاجة لسنوات من العمل لأن تنشره في الكتب والصحف والإذاعات، أصبحت قادر على تعميمه ونشره بدقائق، والجمهور الذي كان يحتاج لسنوات للتأثير على قراره وتفكيره، أمسيت قادر على طبخه وبلف عقله بيوم واحد من التغريدات المتتالية.
هناك الكثير ليقال عن الإعلام وتأثيره على توجهات وآراء الجمهور، ولكننا بهذه السلسلة، نسلط الضوء بشكل خاص على دور الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي والمؤثرين، وآلية عمل هذه الأدوات وكيف تصبح "مؤثرة" على عقول الناس، نشرح الأساس التقني لعمل هذه الأدوات وأسلوب إدارتها المركزي، في سبيل نشر حالة من الوعي المجتمعي بضرورة إخضاع كل محتوى مكتوب أو مرئي لميزان العقل والمنطق، والتفكير أكثر بالهدف من وراء نشره بهذه الكثافة أو بهذا التوقيت أو على هذا الحساب وهذه المنصة.
فما هي التريندات، أنواعها وآلية عملها وكيف يتم استغلالها ومن يصنعها ويجعلها حديث الناس؟ وكيف يتحول الكوميديان إلى صانع محتوى سياسي ويؤثر بالجمهور؟ وما هي ابرز أنواع المنصات المستخدمة لصناعة التضليل؟ وكيف تحول الإعلام الرقمي لساحر؟ وما المقصود بالجيوش الالكترونية والذباب الالكتروني؟ ومن هؤلاء "المؤثرين"؟ وكيف استخدم المحتوى الرقمي للتعمية وتضليل الجمهور؟ وما هي هذه التعويذات ألمسماه بالخوارزميات، وكيف ترمى هذه التعويذة على المحتوى فيصبح "تريند"؟

تعليقات
إرسال تعليق