الذكاء الاصطناعي في الاستخدامات العسكرية


 

بدأت ملامح حرب تسلح جديدة تلوح بالأفق، حرب عنوانها التكنولوجيا والتسلح بأدواتها، فبعد ان تكشفت الحقائق التي خلقتها تكنولوجيا الطائرات المسيرة في حرب أوكرانيا، والذكاء الاصطناعي في حرب غزة ولبنان، أصبحت الدول تعيد حساباتها بشأن ترسانتها العسكرية، فكثير من الأسلحة التقليدية تم تحييدها بطائرة مسيرة، وكثير من الكمائن والالغام تم كشفها بقليل من الجهد التحليلي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فما هو مستقبل هذا التطور الهائل في التكنولوجيا، وهل بالفعل تورطت شركات تكنولوجيا عملاقة بحرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل على غزة؟

بداية لا بد من تعريف الذكاء الاصطناعي، فهو تطور هائل بالأنظمة البرمجية والتكنولوجية، بحيث أصبحت قادرة على تحليل وإنجاز كم هائل من الأوامر بوقت قصير، بالإضافة الى تنفيذ مهام كانت بالسابق حصرا على الانسان، فالأنظمة التي تم ادخال عليها الذكاء الاصطناعي، ضاعفت قدراتها الإنتاجية والتحليلية، وما كان يتم إنجازه خلال أيام اصبح ينجز خلال ساعات قليلة او دقائق.

ولم تكن الاستخدامات العسكرية بعيدة عن هذا التوظيف لهذه التكنولوجيا المرعبة، فلا تخلو نشرة اخبار الا ويتم ذكر الطائرات المسيرة وما تقوم بها من عمليات مساندة للجيش على ارض الميدان، ويعود ذلك، لكثرة الاعتماد عليها مؤخرا، فأصبحت مهام الطائرات المسيرة لا تقتصر على المراقبة والتصوير البعيد فقط، بل تم تطويرها لتصبح قادرة على تنفيذ الغارات على اهداف مبرمجة مسبقا، واشهر هذه التحديثات، ما تم اضافته من تطبيقات ذكاء اصطناعي وربطها مع المسيرات، لتصبح قادرة على تنفيذ مهمتها بمجرد رصدها لبصمة الصوت او ملامح هذا الهدف.

واذا ما اردنا تحليل ما تقوم به هذه المسيرات، نجد انها تقوم بجمع بيانات كبيرة جدا عن سكان منطقة على سبيل المثال، وتبدأ بتحليل الأصوات الصادرة عن جميع سكانها من خلال المكالمات او أجهزة تنصت أخرى يتم زراعتها بالمنطقة، وتبدأ بتحليل كل هذه الأصوات الصادرة من هناك الى ان تصل للبصمة الصوتية الخاصة بالهدف الذي تم برمجتها عليه، لتقوم بتنفيذ مهمتها تلقائيا او بأمر من غرفة العمليات، والفارق هنا ان كل ذلك اصبح يحدث خلال دقائق وبنفس المهمة.

تكنولوجيا أخرى تم اضافتها للطائرات المسيرة المسماة كواد كابتر، انها أصبحت قادرة على تحليل الصور اثناء الطيران، ورصد أي بصمات الكترونية او حرارية او حيوية امام الجنود، فيتم كشف أي الغام او كمائن في طريقهم بسهولة لتفاديها او افشالها مباشرة، وتم استخدام الذكاء الاصطناعي أيضا لتحليل كميات هائلة من الصور التي تلتقطها المسيرات والاقمار الصناعية، وكشف أي عمليات تغيير على طبيعة التربة او جغرافيا المنطقة المستهدفة. 

ونموذج اخر لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، كان من خلال رسم الأهداف بشكل تلقائي وتزويد سلاح الطيران بها، مثل ان يتم رسم مسار توقعي لنفق تم رصد احد مخارجه او مداخله، وأين يمكن ان يؤدي هذا النفق، ومن خلال تركيب كاميرات على الحواجز تقوم بمعالجة سريعة لوجوه المارة، لرصد الشخصيات المستهدفة او احد من أقاربهم.

ان ما تم كشفه من فوارق عسكرية تسبب بها الذكاء الاصطناعي، جعل كثير من ترسانات الدول العسكرية بعداد الأسلحة الغبية، ويظهر ذلك على سبيل المثال، بقدرة أوكرانيا على الصمود امام الجيش الروسي الذي يسبق جيشها بأضعاف مضاعفة من القدرات العسكرية بعد ان تم تزويدها بقدرات دفاعية متطورة وطائرات مسيرة حديثة، أحدثت نقلة نوعية بقدرتها على افشال تقدم الجيش الروسي، وتنفيذ عمليات هجوم بأقل الخسائر.

البنية التحتية للذكاء الاصطناعي:
لا شك ان استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، يتطلب بنية تحتية تكنولوجية ضخمة، قادرة على استيعاب وتحليل هذا الكم الهائل من البيانات، وهذا ما دفع إسرائيل الى طلب خدمات سحابية من شركات تكنولوجية عملاقة تورطت معها بحرب الإبادة التي تمارسها على سكان غزة لتسجيل كميات ضخمة من المكالمات، ومؤخرا، حصلت مجلة +972 وشبكة "لوكال كول" على تسجيل صوتي، يؤكد ولأول مرة أن الجيش الإسرائيلي يستخدم خدمات التخزين السحابية والذكاء الاصطناعي التي تُقدمها شركات التكنولوجيا المدنية العملاقة في هجومه المستمر على قطاع غزة.

ولعل اعلان الإدارة الامريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، عن تخصيص 550 مليار دولار للاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي، يدل على أهمية هذا المجال واهمية الاستعداد لاستخدامه او التعامل مع مخاطره.

بالخلاصة، نصل الى  ان العالم يتجه بسرعة الى نقلة تكنولوجية ضخمة، هذه النقلة وان كان في ظاهرها تطور ورفاهية، الا انها لا تخلو من مخاطر يجب التنبه لها بوضع ضوابط واخلاقيات لاستخدامها لا تقل خطورة عن البرامج النووية، لتحدد وتنظم عمل هذه التكنولوجيا العظيمة، حتى لا تتحول الى نقمة على المجتمعات والدول.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار… والعودة إلى جدلية سحب الذرائع

الاشراف الدولي.. طروادة اختراق النظام السياسي الفلسطيني

الصفقة الشاملة .. فرصة ام استسلام؟