المحتوى الرقمي.. من تجنيد المؤثرين إلى إغراق الجمهور (4)

 


الجيوش الالكترونية:

أداة أخرى من أدوات التضليل والتشويش، ويفضل البعض أن يطلق عليها  اسم "الذباب الالكتروني"، نسبة لطريقة هجومهم وتحركهم المنظم، تستخدم عادة كوسيلة هجومية، في حالات تستدعي الهجوم على جهة أو شخصية، ليس فقط بداعي الخصومة، وإنما بقصد الإيذاء، فكثير من الأحيان يتم توجيه هذه الجيوش لطحن الكتاب والمثقفين واغتيالهم معنويا، من خلال مهاجمتهم والتشهير بهم وبعائلاتهم، ليكون اقل جرأة في كتاباته أو محتواه الذي ينشره، وتشكيك الجمهور بمصداقيته وأصوله.

وبشكل عام، تشن هذه الجيوش حملاتها بشكل متزامن وكثيف حتى تصل لهدفها المنشود، وهو تشتيت الجمهور عن الرواية الحقيقية، وذلك بضخ كم كبير من المعلومات المضللة والتشكيكية، لتنقل الجمهور إلى تشعبات ودهاليز تتعلق بقضايا وتفاصيل أخرى تشغله عن الحدث الأبرز والأهم في الرواية.

 وهذه الجيوش يشتهر عملها غالبا على مواقع التواصل الاجتماعي، فتكون عبارة عن مجموعة حسابات تتحرك وتتفاعل بشكل منسق وموحد، منها ما يكون وهمي ومدفوع الأجر، كالدفع لجماعة لجعل منشورك مليء بالإعجابات والقلوب وتعليقات التأييد، وقد تعمل بطريقة معاكسة تجعل حساب منافسك مليء بالتفاعلات السلبية والاضحكني والاغضبني وتعليقات الانتقاد والشتم.

ومنها ما هو الغير مدفوع، والذي يأتي على شكل جماعات منظمة مسبقا، وتمتلك توجه وانتماء لمشروع أو جهة معينة، وعلى استعداد أن تبذل الجهد والوقت لتساهم في نشر روايته أو كسر منافسيه.

وهناك جيوش الكترونية برمجية، أي أنها مجموعة من الحسابات التي يتم التحكم بها من خلال كمبيوتر، فيتم توجيهها للتفاعل برمجيا، ولكنها عرضة للملاحقة والكشف من قبل الشركات كثيرا، وشكل تفاعلها غالبا ما يكون مفضوح وواضح.

فعلى سبيل المثال، ابسط أنواع الجيوش، هو أن يتم إنشاء مجموعة على واتس اب لمؤيدي مرشح في الانتخابات، وتوجيههم للتفاعل على منشوره الأخير ونشره على أوسع نطاق، فيتوجه جميع أعضاء هذه المجموعة مباشرة لحسابه ويبدءون بنشر المحتوى على صفحاتهم والتعليق عليه، بل ودعوة أصدقائهم للتعليق والتفاعل، كل ذلك بدافع الانتماء والتأييد المطلق والذاتي، وربما تحتاج جماعة أخرى، لإغلاق صفحة أو حساب محتواه يؤثر على سمعتها ونهجها، فتقوم بتوجيه جيوشها لتقوم بعملية إبلاغ عن منشوراته وصفحته، بحجة أن هذا محتوى ينتهك المعايير أو إرهابي أو ينشر الكراهية، فيقوموا بترصد هذا الحساب ومحتواه بشكل دائم ويومي، حتى يخطئ ويتجاوز احد المحظورات التي حددتها معايير الشركة المالكة للموقع، ليقوموا باستغلال هذه الهفوة والتبليغ عنها، وهكذا باستمرار حتى يتم إغلاقه.

التعمية وإثارة الجدل:
وهذه الجيوش تستخدم في كثير من الأحيان كأداة لقياس ردود أفعال الجمهور على حدث معين أو لإشغالهم عن حقيقة ما، فيتم استخدام نموذج التعمية وإثارة الجدل، وهذا النموذج يقوم على مبدأ نشر محتوى تشويقي أو غريب أو صادم أو خارج عن المألوف، ليبدأ جمهور مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بالتفاعل معها على نطاق واسع، بين من يستنكر الفكرة وبين من يؤيدها.

وإثارة الجدل هي وسيلة تسويقية تتبعها الصفحات التجارية أكثر من غيرها بالمناسبة،بحيث تستعين هذه الشركات بخدمات بعض المؤثرين لنشر هذا المحتوى على صفحاتهم والتعليق عليه مقابل اجر طبعا، مثل الحملات التسويقية التي تنفذها سلسلة حلويات "بلبن" المصرية، التي يغلب على حملاتها إثارة الجدل، وكثير من الجمهور يعتقد أن تفاعلهم بالانتقاد يضعف الحملة أو الشركة، بينما في الحقيقة هم يعملون على تحقيق هدفها التسويقي أكثر.

ولكن هل يقتصر ذلك على الحملات التجارية؟ بالطبع لا، فهناك حملات تثير الجدل تقودها الجماعات السياسية والحكومات، بهدف إشغال الجمهور عن حدث قد يشعل مواقع التواصل، مما قد يسبب لها الحرج امام الرأي العام والخصوم.

فعلى سبيل المثال، تحتاج حكومة في بلد ما لأن تمرر قرار رفع أسعار التبغ، وتعلم أن هذا الرفع قد يثير حفيظة الناس ويخلق حالة واسعة من الانتقاد، وربما تحرك الأحزاب والجماعات المعارضة وأعضاء البرلمان، فتقوم غرف عملياتها الإعلامية، بتسريب فيديو لحادثة اصطدام كبيرة أو عملية خاصة لاقتحام احد أوكار الإرهاب أو فضيحة لأحد المشاهير، وتشعل التفاعل عليها بمساعدة الصفحات والحسابات التابعة لها، وفي ظل المعمعة التي يثيرها هذا التسريب، وانشغال الجمهور بالتعليق عليه، يتم تمرير خبر إعلان الأسعار بهدوء، وبأقل عمليات نشر وإعلان، فيمر القرار، وتنجح عملية الإشغال دون أن تتسبب بحالة هيجان وانتقاد واسعة بين المواطنين، عند اللحظات الأولى على الأقل، وبعد ذلك حتى لو علت بعض الأصوات، تكون ضمن الحد المسيطر عليه، نظرا لتشرّب الجمهور الخبر بشكل سلس وليس دفعة واحدة بإعلان مفاجئ.

ويختلف حجم الذباب ونوعه، على حسب طبيعة وحجم المشغل، والمشروع الذي يعمل عليه، فيحدث أن تجد ذبابة كبيرة بحجم قناة تلفزيونية، تخصص منصاتها وموجات بثها المفتوحة للتشهير بشخصية أو حزب أو حكومة، وتستضيف من تسميهم "خبراء" و "محللين"، للتوسع بالمعلومات والفرضيات المليئة باتهامات التواطؤ والمؤامرة.

وقد يتم استخدام نوع آخر من الذباب، ينتشر على شكل مجموعة من الكتاب والصحفيين المؤدلجين، ليشرعوا أقلامهم ضد كاتب أو جهة أو صحيفة، لمجرد أنهم اختاروا الخوض في الممنوع، وطرح الأسئلة المحظورة عن الحقائق والتفاصيل.

وبالنتيجة، نصل إلى أن هناك هدف استراتيجي لدى أي جهة تستخدم الحملات الموجهة بالجيوش أو الذباب الالكتروني، فلك أن تتخيل الحال عندما تعمل كل هذه الجبهات بشكل متزامن وموحد، المواقع والمؤثرين والفضائيات والذباب واليوتيوب والتيك توك والتليغرام، وتدار كلها من غرفة عمليات إعلامية واحدة، لضخ كم هائل من المعلومات المؤدلجة والمضللة، فماذا يحدث؟ بالتأكيد، حالة كبيرة من التشتيت للجمهور وتفريغ طاقاتهم وتوجيهها نحو قضايا أخرى، تشغلهم عن الخصم والقضية الرئيسية، وتحرف أنظارهم عنها، وتجعلها فارغة من مضمونها وزخمها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار… والعودة إلى جدلية سحب الذرائع

الاشراف الدولي.. طروادة اختراق النظام السياسي الفلسطيني

الصفقة الشاملة .. فرصة ام استسلام؟