المحتوى الرقمي.. من تجنيد المؤثرين إلى إغراق الجمهور (3):

 



المؤثّر .. ذبابة أم صانع محتوى؟

كيف يكون الشخص مؤثر؟ ومن أين أتت هذه التسميّة؟ وما مدى تأثيره على الجمهور؟
"المؤثّر" ببساطة هو صاحب حساب أو أكثر على مواقع التواصل، ولديه عدد كبير من المتابعين، يجعل من أي محتوى مكتوب أو مرئي يصدر عن حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي حديث عدد كبير من الناس في وقت قصير.
وهؤلاء المؤثرين، منهم من اكتسب شهرته من طبيعة محتواه ومجال عمله، ومنهم من كانت شهرته مصادفة (نكتة او فيديو كوميدي) مثلا، فحصل على عمليات تفاعل ونشر كبيرة، أوصلت حسابه لكثير من الناس الذي ابدوا إعجابهم بهذا المحتوى وتابعوه.
وهذه الفئة أصبح تأثيرها واضح مؤخرا، ويعود ذلك لميول الجمهور للحصول على المعلومة بطريقة أسرع وقراءة وبحث اقل، وتطور هذا السلوك لاحقا، لأن يميل المستخدمين للمشاهدة والاستماع أكثر من القراءة.
إذن، المتابعون هم رأس مال هؤلاء المؤثرين، وكثرتهم أو قلّتهم هو ما يجعل للمؤثّر "قيمة" في العالم الرقمي، وليس بالضرورة محتواه.
وننوه إلى أننا نناقش هنا تأثير الحسابات المملوكة لأشخاص حقيقيين، وليس الحسابات الوهمية التي تنشئها الجماعات وأجهزة الإعلام لتسريب المعلومات ونشر الفضائح وتصفية الحسابات مع خصومها، لأن متابعة هذه الحسابات تأتي على سبيل الفضول عادة، وتصنف في هذا الإطار لدى الجميع، وبالتالي لا يؤخذ بما تنشره على انه موثوق ولا انه بالضرورة حقيقي.
وعودة إلى مراكز الأبحاث وغرف عمليات الإعلام المتخصصة، الذين تنبّهوا لأهمية تأثير هذه الشريحة في تعميم الأخبار والروايات على الجمهور، فأصبح عليهم أن لا يغفلوا هذا الجانب، وتوكل إليهم مهمة استقطاب وتوظيف اكبر عدد ممكن من هؤلاء المؤثرين لصالحهم، ليكونوا دائما على أهبة الاستعداد للتفاعل وتعميم أي رواية يريدها المشغّل.
وإذا ما أردنا الدخول أكثر في طرق وأنواع الاستقطاب، نجد أن الخبراء ومن تم تدريبهم على كيفية توظيف هذه الفئة الخطيرة لصالح المشغّل، نجد أنهم سيقومون بإحصاء الحسابات ذات التأثير الكبير في كل منطقة، ويضعون الخطط والسيناريوهات والأدوات التي تساعدهم على استقطاب اكبر عدد ممكن منها، لتبدأ بعدها رحلة الاستقطاب أو "التوظيف".
مؤثري مواقع التواصل:
ومرحلة الاستقطاب، يتم فيها إتباع أساليب متعددة، منها ما يجعل من هذا المؤثر موظف صريح لصالح هذا المشغل، وبالتالي ينتقل هو ومتابعيه للعمل لصالحه، ومنها ما هو غير صريح، بحيث يستمر هذا المؤثر بنشر محتواه بشكل مستقل ظاهريا، ولكن في الحقيقة محتواه يصب أيضا لصالح نفس المشغّل.
ومثال على التوظيف الصريح، مثل أن يتم عرض وظيفة على مؤثّر للعمل بمؤسسة إعلامية أو لدى منصة معروفة، وينضم لفريق عملها، ويصبح محتواه الكوميدي أو النقدي أو السياسي يصب دائما لصالح أجندة هذه المؤسسة ومشغليها، والمحتوى غير ذي أهمية لدى المشغل بالمناسبة، وإنما ملكية هذا الشخص وجمهوره هو الأهم، لأن محتواه سيتم أدلجته وإخراجه لاحقا بما يتناسب مع توجهات المشغّل.
أما التوظيف الغير مباشر، يبنى على معادلة تبادلية واضحة، صانع المحتوى يسعى لجمهور ومشاهدات كثيرة، تكسبه الشهرة والترزق من الإعلانات أكثر، والمشغل بحاجة لإيصال المحتوى الذي يخدم مصلحته لجمهور أكثر، فيقوم المؤثر بنشر المحتوى المطلوب، ويقوم المشغل بمكافئته بطريقة غير مباشرة، مثل أن يرشحه للحصول على جائزة أو المشاركة بندوة مرموقة وتقديمه على انه "صاحب رأي" ألمعي، وربما يعمم على أتباعه بضرورة شراء كتبه إن كان كاتب أو نشر مقالاته بصحف ومواقع تابعة له، وفي بعض الأحيان ترشيحه لمقابلة تلفزيونية على شاشة مشهورة أو توجيههم لشراء تذاكر عرضه الكوميدي إن كان كوميديان، وقد تكون من خلال "مساعدته" للحصول على منحة دراسية، وفي كثير من الأحيان مكافئته بنشر محتواه على صفحات وحسابات مؤثرين آخرين يتبعون لنفس المشغل. وبذلك، تكون قد تحققت المصلحة للطرفين، المؤثر زاد من شهرته وأرصدته، والمشغّل زاد من رقعة الجمهور المتلقي لأجندته.
ومن الجدير الإشارة هنا، إلى أن هذا النموذج من المؤثرين، غالبا ما يتحول لعبد لهذا الجمهور وهذا التوجه من المحتوى، لأنه يعلم بالضرورة، أن هذا الجمهور وهذه الشهرة والإعلانات والعروض، هي فقط ، بسبب هذا النوع من المحتوى، وان أي تغيير يجريه على محتواه، سيحوله لمؤثر غير ذي قيمة بالنسبة لهم، وربما يتحول لخصم ويهاجموه ويدمروا سمعته إذا تطلب الأمر.
المواقع الالكترونية:
ولنكون شاملين ببحثنا، يجب ان لا ننسى ان هذا الاختراق للعقول والعبث بأفكارها كان قد انتشر أيضا على المواقع الالكترونية التي اشتهرت قبل مواقع التواصل الاجتماعي، فكانت بفترة من الفترات هي الوسيلة المؤثرة والسريعة لنشر الأخبار والتحليلات ومقالات الرأي، وقامت الكثير من الدول والجماعات بإنشاء مواقعها الالكترونية، منها ما هو صريح بتبعيته، ومنها ما هو المخفي أيضا.
ولكثرة المنافسة في هذا المجال، أصبح لزاما على المشغلين أن يبذلوا كل ما في وسعهم لتحقيق وصول أسرع وزوار أكثر لمواقعهم، وهذا يتطلب حالة محتوى مميّز، وأموال أكثر.
فما أن تستقطب لصالحك كاتب مشهور من كل بلد، يسوق للموقع وينشر مقالاته وتحقيقاته عليه، مع توظيف كادر خبير بتحسين ظهور المواقع الالكترونية (SEO) على محركات البحث، ودفع الكثير من الدولارات لأداة مثل جوجل ادس، يصبح بإمكانك جعل موقعك الالكتروني هو الأولى بالظهور للباحثين عن خبر أو موضوع معين، فيتحول هذا الموقع المغمور إلى مصدر إخباري مؤثر في وعي وتوجهات الناس، ليس لأن محتواه حقيقي أو فريد، وإنما لان مشغليه كانوا الأكثر دراية بطريقة إيصال محتواه لعقول الناس.
مؤثري اليوتيوب:
أما على منصة يوتيوب، فالآلية تختلف، فبالنسبة لشركة جوجل المالكة ليوتيوب، التي تعنى بالدرجة الأولى بالإعلانات التي ستظهر للمشاهدين، كلما كان الفيديو أكثر مشاهدة، أظهرته يوتيوب أكثر للزوار والباحثين عن هذا المجال من المحتوى، فأوجدت حلا آخر للمشغلين لجعل محتواهم الأكثر ظهورا للجمهور، فبمجرد أن تجعله أنت بجهودك أكثر مشاهدة، سيتم تصديره أمام كل مهتم بهذا المحتوى كخيار أول، فأصبح الأمر مرة أخرى، يتعلق بالقدرة المالية والخبرات والكوادر، فمن كان له القدرة على نشر محتواه وتعميمه أكثر، بإمكانه أن يجعل محتواه يصنف بفئة الأكثر مشاهدة وتصديره أمام الباحثين والزوار أكثر.
فعلى سبيل المثال، إن كان المشغل لديه القدرة على دفع عدد كبير من المؤثرين وأصحاب المتابعات العالية، بأن ينشروا رابط حلقة بودكاست معينة أو أن يكتبوا منشور إشادة بمحتواها، ستجد أن عدد كبير من متابعيهم ذهبوا لمشاهدتها، وبالتالي تم توجيه جيش من الزوار لمشاهدة هذا المحتوى المؤدلج والاستفادة من هجومهم لتصنيفه أكثر مشاهدة، وبالتالي الأكثر ظهورا بالمقترحات وخانة "التريند".
مؤثري التيلغرام والتيك توك:
هذه التطبيقات اشتهرت في السنوات الأخيرة، واستطاعت أن تستحوذ على عدد مستخدمين ضخم، التيلغرام بدأ على انه تطبيق مراسلات مشفّر، ثم أصبح وسيلة إخبارية معتمدة لدى كثيرين.
أما التيك توك، فهو تطبيق لعرض الفيديوهات القصيرة، واشتهر بداية بين المراهقين ولكن سرعان ما حقق عدد مستخدمين فاق كل توقعات شركات التكنولوجيا، ويعود ذلك الى انه كان السباق باستخدام خوارزميات تحقق وصول عالي لكل فيديو.
التيلغرام، بعد أن أضاف ميزة القنوات، وأصبح بإمكان أي شخص أن ينشىء قناة ويبدأ بعرض محتواه عليها، أصبح معتمدا لدى كثير من الجهات، وخاصة تلك التي تواجه مشكلة حظر محتواها باستمرار على مواقع التواصل.
فقامت الشركة المنتجة، بتطوير خوارزمية التطبيق بشكل يشبه عمل باقي خوارزميات مواقع التواصل، وبات يصدّر للباحث عن أي كلمة أو اسم، نتائج تظهر القنوات التي تمتلك اكبر عدد من المشتركين كأولوية، ومن هنا بدأ التلاعب، فأصبح لدى المشغلين القدرة على تسويق قنواتهم مجانا بمجرد أن استطاعوا إيصالها لعدد كبير من المشتركين، وهذا بالنسبة لغرف عمليات الإعلام التي تدير جيوش وحسابات الكترونية سهل، فبمجرد أن تم تعميم رابط القناة على الحسابات والصفحات التابعة لها، أصبحوا قادرين على جعل قناتهم هي الأولوية في نتائج البحث، وبذلك أصبحوا قادرين على تعميم ونشر أي محتوى يريدونه لمعتمدي التيلغرام بكل بساطة، مع العلم أن هذه الجهات لا تكتفي بقناة واحدة لكل منطقة، بل تمتلك ترسانة من القنوات العاملة تحت سيطرتها.
التيك توك، تطبيق سهل لعرض المحتوى المرئي وتسويقه، وكان من أوائل من اعتمد بخوارزمياته على تحليل الصوت والصورة، بمعنى انه يصنف الفيديو بناء على ما يحتويه من كلمات وصور. وبناء عليه، يقوم التطبيق بعرض كل المقاطع التي تتشابه بالصور ومحتوى الكلمات لدى أي مهتم بهذا النوع من المحتوى، ولكنه يعطي الأولوية بالظهور للفيديو الصادر من الحساب الأكثر متابعة والأكثر مشاهدة وتفاعل.
وكما هو الحال في بقية التطبيقات والمواقع، تقوم غرفة عمليات الإعلام التابعة لجهة معينة، بتوجيه كل الدعم للحسابات التي استقطبوها أو حتى هم قاموا بإنشائها على تيك توك، ونشر محتواها على الحسابات والقنوات التابعة لها في باقي مواقع التواصل، لتصبح هذه الحسابات متابعة من عدد كبير من زوار تيك توك ومستخدميه، وبمجرد ان يقوم هذا الحساب بنشر اي فيديو، فانه يتحصل على عدد كبير من المشاهدات، وتصبح له الاولوية بالظهور على المقترحات ونتائج البحث للمهتمين بهذا النوع من المحتوى.
وبالنتيجة، نصل الى أن كثير من المحتوى الذي يظهر على واجهة حسابنا، ويعرض على انه وجهات نظر من أشخاص عاديون، هو بالحقيقة محتوى مؤدلج ومدفوع، فكما أن هناك مؤثرون يعملون بالترويج للمنتجات والعلامات التجارية، هناك مؤثرون يعملون لصالح جماعات وجهات لديها أفكار وأجندات تسعى لترويجها، ويتم استخدام هؤلاء المؤثرين لنشرها وزرعها بعقول متابعيهم، مستغلين عاطفة الجمهور تجاه قضية سياسية أو اقتصادية أو تجارية معينة، لتصفية حساباتهم مع خصومهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار… والعودة إلى جدلية سحب الذرائع

الاشراف الدولي.. طروادة اختراق النظام السياسي الفلسطيني

الصفقة الشاملة .. فرصة ام استسلام؟